بقلم: دينا يحيى الأدغم.

نجوم ساطعة بوطنيتها وشرفها العسكرى النبيل سطرت ملحمة بطولية شهد لها العالم خلال حرب اكتوبر المجيدة ١٩٧٣ إلى العلا فى سبيل المجد شعار مميز سطّره رجال القوات الجوية المصرية يدعو إلى التضحية والفداء من أجل استقرار الوطن وسلامة أراضيه.

ودائمًا وليس أبداً تتميز القوات الجوية المصرية بوجود نسور وحوش تحلق في مدارات السماء وإلى العالم ينظرون وحين ينقضون لا مفر ولا مهرب منهم وإن تم لمحهم تراهم نسورا تدور في فلك البطولة والفداء نشأة القوات الجوية المصرية تعود إلى عام ١٩٣٢وتنامت القدرات القتالية. رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه من شهدائه الأبرار. نسور الجو تدخل في كل الحروب الحديثة التي خاضتها مصر منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. ولقد أنشأت القوات الجوية المصرية ممر الأمل للانتصار في حرب أكتوبر ١٩٧٣ لتعبر ٢٢٢ طائرة مصرية فى طلعة جوية لدك قلاع العدو وتحصيناته ومرابض المدفعية وكل الأهداف وعادوا منتصرين لتتهاوى الأسطورة ويتوالى سقوط الطائرات المعادية وصولاً لأضخم وأطول معركة جوية على مدار التاريخ وهي معركة المنصورة الجوية، التي كانت يوم ١٤ أكتوبر ١٩٧٣وشارك فيها ١٥٠طائرة من الجانبين، واستمرت لمدة ٥٣ دقيقة نجح نسور الجو فى تدمير ١٨طائرة إسرائيلية التي شهدت سباقا مع الزمن في التزود بالوقود والذخائر ووقتاً قياسياً عالمياً في التحفيز ليتخذ عيدا للقوات الجوية المصرية.. عطاء القوات الجوية متواصل ليبني نسور السماء مزيداً من قواعد الانطلاق نحو آفاق جديدة؛ حيث شهدت القوات الجوية نقلة نوعية في منظوماتها القتالية، من تواجد طائرات إف ١٦، والطائرة متعددة المهام من طراز رافال، والطائرة ميج ٢٩، ومنظومات طائرة وينج لونج الموجهة المسلحة، وطائرات النقل من طراز كاسا واليوشن، والهليكوبتر الهجومي مي ٢٤، ومازال في ترسانة مصر الجوية ما يزيد ويفيض.

وتأتي الذكرى الرابعة والتسعون لإنشاء القوات الجوية المصرية، بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، لتعيد تسليط الضوء على واحدة من أبرز المعارك الجوية في التاريخ العسكري المصري، وتفتح في الوقت ذاته تساؤلًا حول دور المؤسسات الثقافية والإعلامية في الحفاظ على الذاكرة العسكرية، وتحويل البطولات التاريخية إلى محتوى معرفي وبصري قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة.

ومن هنا، لم تتوقف مسيرة القوات الجوية المصرية عند حدود الاعتزاز بماضيها، وإنما اتجهت نحو المستقبل برؤية تقوم على التطوير والتحديث المستمر، انطلاقًا من حقيقة أن الحفاظ على النصر يتطلب امتلاك أدوات القوة والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات.

وقد شهدت القوات الجوية خلال السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا في إمكاناتها، شمل تحديث طرازات الطائرات متعددة المهام والهليكوبتر والطائرات الموجهة، إلى جانب تطوير القواعد الجوية والمطارات والمنشآت الفنية والإدارية، وتوفير التجهيزات اللازمة لاستقبال وتشغيل الطرازات الحديثة.

إنها مسيرة تعكس رؤية الدولة المصرية في بناء قوات مسلحة تمتلك من القدرات ما يمكنها من حماية الأمن القومي وصون مقدرات الوطن، ويجعلها قادرة على مواكبة متطلبات الحاضر والاستعداد لتحديات المستقبل.

ومهما بلغت التكنولوجيا من تقدم، ستظل هناك حقيقة ثابتة في فلسفة العسكرية المصرية، وهي أن الإنسان يمثل جوهر القوة، وأن الطائرات الحديثة لا تصنع التفوق وحدها ما لم يكن خلفها عقل مدرب، وطيار مؤهل، ومهندس متمكن، وفني قادر على التعامل مع أدق التفاصيل.

فالقوة الجوية ليست طائرة تحلق فحسب، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من التخطيط والتدريب، وتمر بالصيانة والدعم الفني، وتنتهي بالتنفيذ الدقيق للمهام، حيث يؤدي كل فرد دوره في منظومة لا تحتمل التهاون.

ومن هذا المنطلق، تولي القوات الجوية اهتمامًا كبيرًا بتأهيل كوادرها البشرية في مختلف التخصصات، وتطوير منظومات التدريب باستخدام أحدث المحاكيات والوسائل التدريبية، بما يواكب التطور المتسارع في تكنولوجيا الطيران وأنظمة التسليح الحديثة.

ولأن المعرفة العسكرية لا تنمو في العزلة، تأتي التدريبات الجوية المشتركة مع الدول الشقيقة والصديقة لتشكل جسورًا لتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون العسكري، والتعرف على المدارس المختلفة في التخطيط والتنفيذ.

ويبرز في هذا السياق التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بما تضمنه من أنشطة نظرية وعملية وطلعات جوية مشتركة، إلى جانب التدريب على مهام وتكتيكات جوية متنوعة والتزود بالوقود في الجو. وأيضا التدريب الجوي المشترك بين مصر وفرنسا أمون 2026.

إن مثل هذه التدريبات لا تعكس فقط تطور مستوى التعاون العسكري بين مصر وشركائها الدوليين، بل تؤكد أن بناء القوة في العصر الحديث يتطلب الانفتاح على الخبرات المختلفة، والاستفادة من التجارب الدولية، وتحويل المعرفة المكتسبة إلى قدرات عملية تدعم الجاهزية والكفاءة القتالية.

وإذا كانت معركة المنصورة قد جعلت من سماء مصر شاهدًا على بطولة عسكرية خالدة، فإن معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء يقدم صورة أخرى لهذه السماء، بوصفها فضاءً مفتوحًا للتعاون العلمي والتكنولوجي، ومنصة تجمع الخبراء والمؤسسات والشركات من مختلف دول العالم.

ففي نسختيه عامي 2024 و2026، تجاوز المعرض مفهوم استعراض الطائرات والمنظومات الحديثة، ليصبح نافذة دولية تعكس طموح الدولة المصرية في تعزيز مكانتها في مجالات الطيران والفضاء والتكنولوجيا المتقدمة.

وقد جاءت النسخة الثانية برعاية وتشريف الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتؤكد الأهمية التي توليها الدولة المصرية لهذه القطاعات الحيوية، وما تمتلكه من مقومات تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا ودوليًا للتعاون وتبادل الخبرات.

ولعل القيمة الأعمق لهذا الحدث تكمن في الرسالة التي يحملها إلى العالم؛ فمصر التي صنعت تاريخًا عسكريًا عريقًا، تسعى اليوم إلى توسيع حضورها في ميادين العلم والتكنولوجيا، وإقامة شراكات دولية تفتح آفاقًا جديدة أمام الابتكار والتقدم.

كما يعكس المنتدى العلمي المصاحب للمعرض أهمية استشراف مستقبل الطيران والفضاء، في ظل التحولات التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، وما يرتبط بها من فرص وتحديات أمام دول المنطقة والعالم.

وهكذا تصبح السماء التي شهدت بالأمس معارك الدفاع عن الوطن، فضاءً للتعاون وتبادل المعرفة، في تعبير عن رؤية مصرية تدرك أن القوة والسلام ليسا نقيضين، بل إن امتلاك عناصر القوة يمثل إحدى ضمانات الحفاظ على الأمن والاستقرار.

في عصر تتسارع فيه الابتكارات بصورة غير مسبوقة، لم يعد السؤال المطروح أمام المؤسسات العسكرية هو كيف تواكب التكنولوجيا الحديثة فحسب، بل كيف تستعد لتكنولوجيا لم تتشكل ملامحها النهائية بعد.

فالذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة وتكنولوجيا الفضاء تفتح آفاقًا جديدة أمام مستقبل الطيران، وتفرض في الوقت ذاته ضرورة الاستثمار المستمر في البحث العلمي والتدريب والتأهيل.

ومن هنا، فإن مستقبل القوات الجوية المصرية لا يرتبط فقط بتحديث المعدات والمنظومات، بل بقدرتها على بناء أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار، وتجمع بين الخبرة العسكرية الراسخة واستيعاب متطلبات العصر الرقمي.